القرطبي

36

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وشيئا من آلة الحرث فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذل " . قيل : إن الذل هنا ما يلزم أهل الشغل بالحرث من حقوق الأرض التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين . وقال المهلب : معنى قول في هذا الحديث والله أعلم الحض على معالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات ، وذلك لما خشي النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله ، لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها ، فحضهم على التعيش من الجهاد لا من الخلود ( 1 ) إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة . ألا ترى أن عمر قال : تمعددوا ( 2 ) واخشوشنوا واقطعوا ( 3 ) الركب وثبوا على الخيل وثبا لا تغلبنكم عليها رعاة الإبل . فأمرهم بملازمة الخيل ، ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها . وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم غرس غرسا أو زرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة " . قال العلماء : ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال ، كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس ، أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار ، وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك ، وأما الانعام فيتمول بها أهل البوادي ، وأما الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق ( 4 ) . فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول ، فأما النساء والبنون ففتنة للجميع . العاشرة - قوله تعالى : " ذلك متاع الحياة الدنيا " أي ما يتمتع به فيها ثم يذهب ولا يبقى . وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة . روى ابن ماجة وغيره عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شئ أفضل من المرأة الصالحة " . وفى الحديث : " أزهد في الدنيا يحبك الله " أي في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضروري . قال صلى الله عليه وسلم : " ليس لابن آدم حق في سوى هذه

--> ( 1 ) اللغة الفصحى " من الاخلاد " . ( 2 ) يقال : تمعدد الغلام إذا شب وغلظ . وقيل : أراد تشبهوا بعيش معد بن عدنان وكانوا أهل غلظ وقشف ، أي كونوا مثلهم ودعوا التنعم وزي العجم . ( 3 ) في مسند الإمام أحمد بن حنبل : " وألقوا الركب " جمع ركاب : هي الرواحل من الإبل ، أو جمع ركوب وهي كل ما يركب من دابة . ( 4 ) الرساتيق : السواد والقرى واحدها رستاق ، وفى ز : البساتين .